إب- الإعلام السياحي:
يقع جبل العود في مديرية النادرة بمحافظة إب، جنوب وادي بناء الشهير، الذي كان منذ القدم شريانًا تجاريًا يربط المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية بالمرتفعات الوسطى، وصولًا إلى العاصمة الحميرية ظفار، على بعد نحو 30 كيلومترًا فقط.
اليوم، أصبح الجبل مقصدًا سياحيًا يتيح للزائرين استكشاف التاريخ العريق وسط مناظر طبيعية خلابة.
القمم الزراعية والسدود القديمة
تعلو قمة الجبل منبسط زراعي خصب، يتضمن حقولًا مدرّجة وسدًا مائيًا صغيرًا لجمع مياه الأمطار وري المحاصيل، ما يعكس براعة سكان الجبل القدماء في استغلال الموارد الطبيعية وسط التضاريس الوعرة، خاصة وأن الحفر لاستخراج المياه الجوفية كان مستحيلاً في هذه القمم الصخرية.
اكتشافات أثرية بالصدفة
بدأت رحلة الاكتشاف في نهاية عام 1996، عندما كان أحد السكان يحفر جذور شجيرة الحلبة، المستخدمة محليًا في تحضير وجبة "السلتة".

وصدفةً، اكتشف العشرات من القطع الأثرية فوق القمة، لتتوالى الاكتشافات المذهلة التي أخرجتها عمليات النهب العشوائي لاحقًا. تضمنت القطع البرونزية تماثيل آدمية وحيوانية، موائد قرابين، مباخر، وغيرها من الكنوز التاريخية.
مسح أثري شامل
في عام 1997، قام الفريق الوطني للهيئة العامة للآثار والمتاحف بأول عملية مسح أثري للمنطقة، موثقًا مواقع تعود لعصور ما قبل التاريخ وحتى المراحل التاريخية المتأخرة، لتضع أساسًا لفهم الحضارات التي استوطنت المنطقة.

بالتعاون مع المعهد الألماني للآثار بصنعاء عام 1998، تم تنفيذ حفريات طارئة أظهرت أن مدينة العود تعود للعصر الحميري القديم (القرن الثالث إلى الأول قبل الميلاد).
تشير النقوش المكتشفة إلى أن المدينة كانت تعرف باسم (ع و د م)، وتمثل أكبر المدن الواقعة على قمم وادي بناء ووادي خُبان، بامتداد يصل إلى 7 هكتارات في قلب قاع جبلي يبلغ طوله 4 كيلومترات.
تحصينات طبيعية وعمارة متقنة
تتمتع المدينة بتحصين طبيعي على قمة الجبل، حيث تشكل المنحدرات الصخرية الوعرة بديلاً عن الأسوار، مع سورين من جهتي الشرق والغرب وعدة بوابات تؤدي إلى قلب المدينة.
في المركز، يُعتقد أن المبنى الأبرز كان القصر الملكي، وإلى الغرب منه المعبد الرئيسي محاطًا بالعديد من المنشآت الأخرى، ما يعكس التخطيط العمراني الدقيق للحضارة الحميرية.
مركز ديني وفني متكامل
كشفت الحفريات اليمنية-الألمانية عن مبنى متعدد الطوابق، استخدم الطابق الأرضي فيه لصناعة الأدوات والأواني البرونزية، فيما احتوى الفناء على بركة محفورة بالصخر محاطة برواق وصالتين كبيرتين، بالإضافة إلى غرف خدمية تشمل المطبخ والمخازن.

وأظهرت الاكتشافات الأثرية المحيطة بالمعبد الرئيسي عن هوية المدينة كمركز ديني متكامل، حيث يعكس تخطيطها العمراني طابعًا روحيًا واضحًا تتداخل فيه وظائف العبادة مع تفاصيل الحياة اليومية.
وتبرز تقاليد الدفن داخل المباني السكنية كإحدى السمات اللافتة، إذ خُصصت غرف مستقلة بمدخل خارجي لدفن الموتى. وقد أظهرت الحفريات جنوب غرب المعبد نموذجين لمبنيين، يضم كل منهما غرفة دفن بمساحة (2×3 أمتار) تحتوي على طبقات دفن جماعية.

وتضم هذه الغرف أكثر من 14 حالة دفن في كل طبقة، وُضعت جنبًا إلى جنب، مصحوبة بأثاث جنائزي متنوع من أوانٍ برونزية وزجاجية وفخارية، إلى جانب الحُلي والأسلحة والعملات، ما يعكس ثراء الطقوس الجنائزية في تلك الحقبة.

المدينة بين الدمار والإحياء
كما تكشف الطبقات الأثرية أن المدينة تعرضت للحرق نهاية القرن الثالث الميلادي، ثم أعيد استيطانها في القرنين الخامس والسادس، ما يجعلها شاهدًا حيًا على التاريخ المتعاقب للمنطقة، ويمنح الزوار فرصة استثنائية لمشاهدة آثار الحضارات القديمة وسط الطبيعة الساحرة.
متحف على القمة
في وقت لاحق، تم إنشاء متحف حديث على قمة الجبل، يضم عشرات القطع الأثرية المكتشفة، ليصبح الموقع مقصدًا سياحيًا يجمع بين الآثار التاريخية والطبيعة الخلابة والأودية الزراعية والقلاع القديمة، مما يمنح الزائر تجربة فريدة تمزج بين التعلم والاستمتاع بجمال البيئة اليمنية الأصيلة.