زارها: معين الصيادي
(حَيْد الجَزيل)... القرية الأعجوبة، الجالسة بشموخٍ وثقةٍ على سطح جرفٍ صخريٍّ مهيب في وادي دوعن بمحافظة حضرموت، شرقي اليمن.
وكلمة حَيْد – بفتح الحاء – تُطلق في اليمن على المناطق الواقعة في مهاوي الجبال، وغالبًا ما تكون في قمة جبلٍ مقطوعٍ من ثلاث جهات، بينما تمثل الجهة الرابعة طريق الوصول إليه، مهما بلغت وعورته.
أما الجَزيل فهي من “جَزَلَ” أي قَوِيَ، والجَزْلُ ما عظم من الشيء، ويُرجّح أن التسمية جاءت من اطمئنان أهل القرية لمأمونية الموقع؛ أولًا لارتفاعه عن مساقط السيول ومجاري المياه، وثانيًا لقوة صخر الجرف الذي تقوم عليه القرية، فضلًا عن الحماية الطبيعية التي وفرها عبر التاريخ في أزمنة الصراعات والنزاعات القبلية.
هكذا شُيّدت البيوت على سطح هذا الجرف الصخري، القابع وسط ربوةٍ مرتفعة تتوسّط واديًا يقف على جانبيه جبلان شامخان، فيما يتعانق مجريان للمياه قبالتها، فتتكلّل القرية بحقولٍ خضراء منبسطة، باسمة في وجوه أهلها وزائريها.
وتطل بيوتها بتراصٍ بديع، كأنها أقراص بسكويت مرصوصة في صحنٍ ذهبيٍّ فوق طاولةٍ مستديرة في روضةٍ غنّاء.
تتزاحم الحقول الزراعية، وترقص أشجار النخيل الباسقة على نغم خرير المياه المتدفقة من وادي عَقْرون ووادي مَراه، لترتوي معهما حكاية قريةٍ ساحرةٍ وأناسٍ يقطر الطيب منهم كعسل وادي دَوْعَن.
قريةٌ من طين
تقع قرية حَيْد الجَزيل في أطراف وادي دَوْعَن الأيسر بمحافظة حضرموت، وتتألف من قرابة عشرين بيتًا، يُقال إن أهلها ينتمون إلى عائلةٍ واحدةٍ من آل العمودي.
وقد أبدع بنّاؤوها في تشييد منازل متعددة الطوابق، ذات تقاسيم معمارية فريدة، مستخدمين الطين المخلوط بالتبن وجذوع الأشجار، وهي مواد محلية متوافرة وغير مكلفة، تمتاز بالمتانة وطول العمر، خصوصًا مع الصيانة المستمرة.
وكانت مواد البناء تُحضّر في أحواض النخيل بالأودية، ثم تُنقل إلى المرتفعات على ظهور الحيوانات. كما طُليت الواجهات الخارجية بمادة الجِبس (النُّورة)، ما منحها بريقًا بصريًا وقوةً إضافية وعمرًا أطول.

طبيعةٌ خلابة
لا يُملّ المشهد وأنت تشاهد هذه الساحرة من الضفة المقابلة، وتحديدًا من منتجع المنطقة المعروف باسم (خَيْلَة بُقشان)، المملوك للتاجر الحضرمي المعروف بُقشان، والذي سيُفرد له حديثٌ خاص لاحقًا.

أما العودة إلى قرية حَيْد الجَزيل، فالنظرة الأولى كفيلة بأن تأسر القلب وتقيّد الزائر بأصفاد عشقها.
كثيرون هاموا في غرامها وتغزلوا بعينيها الناعستين، قبل أن تكتمل دهشتهم ببقية مفاتنها؛ فهي جسدٌ جمع بين سحر الإرث التاريخي وجمال الطبيعة وهيبتها.

أجمل أودية اليمن
يزول عناء السفر فور الوصول إلى المنطقة المقابلة للقرية، حيث تقف حَيْد الجَزيل فاتحةً أحضانها لزائريها، مرددةً بلسان حالها:
“مرحيب مرحيب بك يا الطيب الأصلي… الدار دارك وأهلك عدّهم أهلي.”
كل ذلك في وادٍ يُعد من أجمل أودية اليمن وأكثرها شهرة، إنه وادي دَوْعَن، ذائع الصيت بعسله اليمني الفاخر، الواقع شمال غرب محافظة حضرموت، ويمكن الوصول إليه براً من مدينة المكلا في أقل من ساعة ونصف.
وينقسم الوادي إلى قسمين: الأيمن والأيسر، تنتشر على ضفافهما مدن وقرى تاريخية وسياحية، تُشكّل بمعمارها الطيني المزخرف وبيئتها الآسرة مشاهد ذات خصوصية معمارية نادرة، لم تنل حظها الكافي من الدراسات الأكاديمية، خاصة في شقها الفني والتاريخي.
عمارة طينية
ونظرًا لعدم استواء سطح الجرف الذي شُيّدت عليه القرية، جاءت المباني بشكل شبه دائري على أطراف الصخرة، وارتفعت في طوابقها حتى أربعة أدوار في بعض المواقع.
وتؤكد تفاصيلها المعمارية، بما لا يدع مجالًا للشك، أن اليمن من أغنى مناطق العالم بالعمارة الطينية، ويُعد وادي دَوْعَن من أكثر مناطقها ثراءً بهذا الإرث، القابل للحياة والاستمرار متى ما استقرت المجتمعات واستمرت أعمال الصيانة.
وتشير الباحثة في العمارة الدوعنية الأستاذة ماجدة الدوملوجي إلى أن اليمن ما يزال يحتفظ بتراث معماري أصيل وفريد، من خلال بيوتٍ لم تفقد وظائفها أو خصوصيتها، وتحاكي المناخ والبيئة المحيطة بذكاءٍ فريد.
جزيرةٌ برية
لا يقتصر سحر حَيْد الجَزيل على موقعها الفريد والمياه المتدفقة من واديين يحيطان بها، حتى أطلق عليها كثيرون اسم “الجزيرة البرية”، إذ تحاصر المياه السفح والصخرة التي شُيّدت عليها المنازل.
ومن يغوص في زوايا بيوتها النظيفة، ويستشعر دفء ترحاب أهلها، يدرك حجم الخصوصية التي حبا الله بها حضرموت، لا بوديانها ونخيلها فحسب، بل بعسلها الدوعني الذي وصفه القرآن الكريم بقوله تعالى: (فيه شفاءٌ للناس).
وبجدارة، تبقى حَيْد الجَزيل جزيرةً بريةً نادرة، وتظل حضرموت عسل اليمن وأطيب محافظاته.