حضرموت- الإعلام السياحي:
ركّزت البعثة الأثرية الفرنسية العاملة في الجوف وحضرموت أعمالها بين عامي 2002 و2008م على موقع مكينون الأثري في وادي المسيلة شرقي حضرموت، عقب مسوحات شملت عدة أودية مجاورة.
ويقع الموقع عند ملتقى خمسة روافد مائية، وسط أطلال تضم منشآت ري وقرى ومساكن ومعابد ومقابر، ما يجعله نموذجًا لمراكز حضارة جنوب الجزيرة العربية التي انتشرت على امتداد أودية حضرموت.
تعاقب حضاري
يغطي مكينون مساحة تقارب 600×400 متر، وتكشف طبقاته الأثرية المتراكمة حتى سبعة أمتار عن مراحل تطور متعاقبة.
وتعود أقدم المساكن المبنية من اللِّبن إلى الفترة بين القرن 10 و7 ق.م، استنادًا إلى اللقى الأثرية وقياسات الكربون المشع (C14).
وعُثر في هذه الطبقات على فخار وأدوات حجرية وخرز من العقيق الأحمر وخاتم يحمل زخرفة ذات صلة بالفن الآشوري الحديث.
نشاط زراعي مبكر
وتشير قنوات ري قديمة إلى نشاط زراعي مبكر، قبل أن يُشيّد أول سور دفاعي فوق رواسب الطمي في الفترة بين القرن 7 و5 ق.م، مع نمط معماري يعكس تقاليد جنوب الجزيرة العربية.
يرجّح الباحثون أن ازدهار مكينون ارتبط بتوسع مملكة سبأ خلال القرنين 8 و7 ق.م.
وقد عُثر في الموقع على شاهد قبر مهدى للإلهة السبئية "ذات حميم"، يعود إلى عهد الملك كرب إيل وتر بن ذمار علي في أوائل القرن 7 ق.م.
وشهد الموقع ذروته بين القرنين 4 و3 ق.م، حيث أُقيم سور ضخم جديد ومجمع ديني يضم معبدين وساحة احتفالية ومبنى كبير بنحو أربعين غرفة، ما يعكس تحوله إلى مركز ديني وسياسي إقليمي.
هجر وإعادة استيطان
يبدو أن مكينون هُجر خلال القرن الأول قبل الميلاد، وربما نتيجة حملة عسكرية نسبت إلى مملكة قتبان ضد حضرموت، وفق نقوش تعود إلى القرنين 2 و1 ق.م.
غير أن الموقع شهد إعادة استيطان جزئي بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين، مع ظهور مسكن فاخر يعكس تحولات في الصناعات التقليدية واندماج المنطقة في شبكات التجارة المتجهة شرقًا نحو الخليج وظفار والهند.
شبكة ري مركزية
أظهرت المسوحات وجود شبكة ري متطورة نقلت مياه السيول من أعالي الأودية إلى الأراضي الزراعية عبر قنوات رئيسية وسدود وأحواض تجميع، ما أدى إلى توسع الرقعة المزروعة ونشوء تجمعات قروية بلغ عددها 18 موقعًا سكنيًا.
ويرجّح الباحثون أن مركزية مكينون لم تكن نتيجة توافق جماعي، بل صعود فئة سيطرت على مياه وادي سخورة وفرضت نفوذها السياسي والديني، فشيّدت مجمعًا دينيًا وسورًا دفاعيًا وأدارت شبكات المياه.
تحولات المركز الإقليمي
مع مطلع العصر الميلادي، تراجع دور مكينون، وربما انتقل مركز الاستيطان إلى موقع الحاوي المجاور، في سياق تحولات مرتبطة بالتحكم في الموارد المائية.
ويشير توزيع المعابد والمقابر على المرتفعات إلى رسم حدود مقدسة للأرض المزروعة، في تقليد يعكس دور الدين في حماية المجال الزراعي وتعزيز التماسك الاجتماعي.